الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

207

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولذلك اتّفق الفقهاء على وجوب ردّ السلام ، ثم اختلفوا إذا كان المسلّم عليهم جماعة هل يجب الردّ على كلّ واحد منهم : فقال مالك : هو واجب على الجماعة وجوب الكفاية فإذا رد واحد من الجماعة أجزأ عنهم ، وورد في ذلك حديث صحيح ؛ على أنّه إذا كانت الجماعة كثيرة يصير ردّ الجميع غوغاء . وقال أبو حنيفة : الردّ فرض على كلّ شخص من الجماعة بعينه . ولعلّ دليله في ذلك القياس . ودلّ قوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ على أنّ ابتداء السلام شيء معروف بينهم ، ودليله قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ، وسيأتي في سورة النور [ 27 ] . وأفاد قوله : بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها التخيير بين الحالين ، ويعلم من تقديم قوله : بِأَحْسَنَ مِنْها أنّ ذلك أفضل . وحييّ أصله في اللغة دعا له بالحياة ، ولعلّه من قبيل النحت من قول القائل : حيّاك اللّه ، أي وهب لك طول الحياة . فيقال للملك : حياك اللّه . ولذلك جاء في دعاء التشهّد ( التحيّات للّه ) أي هو مستحقّها لا ملوك الناس . وقال النابغة : يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب أي يحيون مع تقديم الريحان في يوم عيد الشعانين - وكانت التحيّة خاصّة بالملوك بدعاء ( حيّاك اللّه ) غالبا ، فلذلك أطلقوا التحية على الملك في قول زهير بن جنّات الكلبي : ولكلّ ما نال الفتى * قد نلته إلّا التحيّة يريد أنّه بلغ غاية المجد سوى الملك . وهو الذي عناه المعريّ بقوله : تحية كسرى في الثناء وتبّع * لربعك لا أرضى تحيّة أربع وهذه الآية من آداب الإسلام : علّم اللّه بها أن يردّوا على المسلّم بأحسن من سلامه أو بما يماثله ، ليبطل ما كان بين الجاهلية من تفاوت السادة والدهماء . وتكون التحيّة أحسن بزيادة المعنى ، فلذلك قالوا في قوله تعالى : فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [ الذاريات : 25 ] : أنّ تحية إبراهيم كانت أحسن إذ عبّر عنها بما هو أقوى في كلام العرب وهو رفع المصدر للدلالة على الثبات وتناسي الحدوث المؤذن به نصب المصدر ، وليس في لغة إبراهيم مثل ذلك ولكنّه من بديع الترجمة ، ولذلك جاء في تحيّة الإسلام : السلام عليكم ، وفي ردّها وعليكم السلام لأنّ تقديم الظرف فيه للاهتمام بضمير المخاطب . وقال بعض